ما هو التداول الكمي Quantitative Trading؟ وما فوائده؟

ما هو التداول الكمي

شهدت الأسواق المالية تحولًا جذريًا في العقود الأخيرة، حيث انتقلت من قاعات التداول الصاخبة المكتظة بالبشر الذين يلوحون بأيديهم لإتمام الصفقات، إلى خوادم صامتة فائقة السرعة تتخذ قرارات بمليارات الدولارات في أجزاء من الثانية، هذا التحول مسَّ المنهجية والعقلية ذاتها، وهو ما يُعرف اليوم بالتداول الكمي Quantitative Trading، لم يعد الاعتماد على الحدس أو “الشعور” تجاه السوق هو المحرك الأساسي، بل حلت محله المعادلات الرياضية المعقدة، والنماذج الإحصائية، وقوة الحوسبة الهائلة.

في هذا المقال، سنستعرض بعمق ما هو التداول الكمي، ونغوص في تفاصيل الآليات التي تجعل من الرياضيات لغة المال الجديدة، وكيف استطاعت الخوارزميات أن تفرض سيطرتها على أسواق الأسهم والعملات الرقمية على حد سواء.

ما هو التداول الكمي Quantitative Trading؟

يُعرف التداول الكمي بأنه استراتيجية استثمارية تعتمد بشكل كلي على التحليل الرياضي والإحصائي لتحديد الفرص الاستثمارية وتنفيذ الصفقات، على عكس التحليل الأساسي الذي ينظر في القوائم المالية وجودة الإدارة، أو التحليل الفني التقليدي الذي يعتمد على رسم الخطوط يدويًا، يقوم التداول الكمي باستخدام نماذج التحليل الكمي لمعالجة كميات ضخمة من البيانات التاريخية والحالية.

ما الهدف منه؟

الهدف هنا هو تحويل سلوك السوق إلى أرقام ومعادلات يمكن للحاسوب فهمها، ومن ثم بناء خوارزميات مالية قادرة على اتخاذ قرارات الشراء والبيع دون تدخل بشري مباشر، وبدقة تفوق القدرات البشرية بمراحل.

يعتبر التداول الكمي Quantitative Trading مظلة واسعة تشمل تحتها مفاهيم متعددة مثل التداول الخوارزمي (Algorithmic Trading) والتداول عالي التردد (HFT)، الجوهر في هذا النوع من التداول هو الاعتماد على التداول الإحصائي Statistical Trading، حيث يتم البحث عن أنماط سعرية تكررت في الماضي ولها احتمالية إحصائية عالية للتكرار في المستقبل.

مهام المتداول الكمي:

لا يقوم المتداول الكمي (الذي يطلق عليه اسم Quant) باتخاذ قرار بناءً على خبر عاجل رآه للتو، بل يقوم ببرمجة النظام ليتفاعل مع هذا الخبر إذا وفقط إذا كانت البيانات التاريخية تشير إلى أن هذا النوع من الأخبار يؤدي عادةً إلى تحرك سعري معين بنسبة نجاح مقبولة إحصائيًا.

الأدوات والاستراتيجيات المستخدمة في التداول الكمي

يتطلب التداول الكمي ترسانة قوية من الأدوات التقنية والمعرفية، حيث يمثل التزاوج بين التمويل وعلوم الحاسوب، تعتبر البرمجة في التداول هي العمود الفقري لهذا المجال، حيث تُستخدم لغات مثل Python و C++ و R بشكل واسع لبناء الأنظمة واختبارها، لغة Python، على وجه الخصوص، أصبحت اللغة المهيمنة بفضل مكتباتها الغنية المتخصصة في تحليل البيانات المالية ومعالجة السلاسل الزمنية.

فيما يخص الاستراتيجيات، يعتمد المتداولون الكميون على منهجيات معقدة تتجاوز الشراء والبيع التقليدي، ومن أبرز استراتيجيات التداول الكمي:

استراتيجية الارتداد للمتوسط (Mean Reversion):

تقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ إحصائي يفيد بأن الأسعار، مهما تطرفت صعودًا أو هبوطًا، ستميل في النهاية للعودة إلى متوسطها الطبيعي، تقوم الخوارزميات بحساب المتوسطات المتحركة والانحرافات المعيارية، وعندما يبتعد السعر بشكل مبالغ فيه عن المتوسط، يقوم النظام بفتح صفقة معاكسة للاتجاه الحالي، مراهنًا على العودة الحتمية للمتوسط.

تتبع الاتجاه (Trend Following):

على النقيض من الارتداد، تقوم هذه النماذج برصد الزخم (Momentum) في السوق، تستخدم نماذج ومؤشرات قياسية للتداول الكمي لتحديد بداية اتجاه قوي، وتجعلك الخوارزمية تستفيد من الاتجاه السعري المستمر حتى تظهر إشارات ضعف إحصائية، مما يسمح بتحقيق أرباح كبيرة من التحركات الطويلة.

المراجحة الإحصائية (Statistical Arbitrage):

وهي استراتيجية متقدمة تستغل فروقات الأسعار المؤقتة بين أصلين مترابطين أو أكثر (مثل سهمين في نفس القطاع أو عملتين رقميتين)، عندما يختل الارتباط التاريخي بينهما، يقوم النظام بشراء الأصل المقوم بأقل من قيمته وبيع الأصل المقوم بأعلى من قيمته، مراهنًا على عودة الارتباط لطبيعته.

استخدام الذكاء الاصطناعي:

ومع التطور التكنولوجي، بدأنا نشهد دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في التداول، حيث يتم استخدام التعلم الآلي (Machine Learning) لتدريب النماذج على اكتشاف أنماط غير خطية ومعقدة جدًا لا يمكن للمحلل البشري أو النماذج الإحصائية التقليدية ملاحظتها، مما يزيد من كفاءة التداول الآلي في الأسهم والعملات الرقمية.

فوائد التداول الكمي

يوفر التداول الكمي ميزات تنافسية هائلة تجعله الخيار المفضل للمؤسسات المالية الكبرى وصناديق التحوط، وتتمثل هذه الفوائد في النقاط التالية:

القضاء على العامل العاطفي:

القرارات البشرية غالبًا ما تكون مشوشة بالتحيزات النفسية، مما يؤدي إلى الخروج المبكر من الصفقات الرابحة أو الصبر الطويل على الصفقات الخاسرة، التداول الكمي يزيل هذه المشكلة تمامًا؛ فالخوارزمية تنفذ ما تمت برمجته عليه ببرود تام وانضباط صارم، بغض النظر عن حالة الذعر أو النشوة التي تسيطر على السوق.

السرعة والكفاءة:

في الأسواق المالية الحديثة، الفرص قد تظهر وتختفي في أجزاء من الثانية، القدرة البشرية محدودة في سرعة رد الفعل، بينما تستطيع الأنظمة الكمية مسح آلاف الأسهم والعملات، وتحليل مؤشرات التداول، وتنفيذ الأوامر في غضون ميكروثانية، هذا الأمر حيوي بشكل خاص في استراتيجيات التداول عالي التردد (HFT)، حيث تكون السرعة هي المعيار الوحيد للربح.

إمكانية الاختبار الخلفي (Backtesting):

قبل المخاطرة بأي دولار حقيقي، يتيح التداول الكمي للمستثمر اختبار استراتيجيته على بيانات تاريخية تمتد لسنوات، هذا الاختبار يكشف نقاط الضعف والقوة في النموذج، ويوضح العوائد المتوقعة والمخاطر المحتملة (Drawdowns)، هذه الميزة تمنح المتداول ثقة مبنية على بيانات واقعية وليس مجرد افتراضات نظرية.

كيفية البدء في التداول الكمي للمبتدئين

الدخول في عالم التداول الكمي ليس كفتح حساب تداول تقليدي، بل هو رحلة تعليمية تتطلب بناء أساس معرفي متين يجمع بين الرياضيات، البرمجة، والمالية، وتتمثل خطواتك البسيطة فيما يلي:

1- إتقان البرمجة: لغتك للتحدث مع السوق

الخطوة الأولى والأساسية هي تعلم البرمجة في التداول، وتحديدًا لغة Python، لا غنى للمتداول الكمي عن أدوات محددة مثل:

  • Pandas: لمعالجة وتحليل البيانات الضخمة.
  • Backtrader: لاختبار استراتيجياتك على بيانات تاريخية قبل المخاطرة بأموال حقيقية.

2- مصادر البيانات: وقود الخوارزميات

بدون بيانات دقيقة، لا قيمة للكود، يعتمد تحليل البيانات المالية على تأمين مصادر موثوقة (Data Feeds) توفر أسعارًا تاريخية ولحظية، أما بالنسبة للمهتمين بما يتعلق بمعرفة كيفية التداول في العملات الرقمية كميًا، فإن الأمر يتطلب التالي:

  • أن السوق يعمل على مدار الساعة (24/7).
  • ضرورة تصميم خوارزميات مستعدة للتعامل مع تقلبات السيولة في مختلف أوقات التداول العالمية.

3- الإدارة البرمجية للمخاطر

الذكاء في التداول الكمي يكمن في ضوابط الأمان البرمجية “الكود الآمن”، يجب أن تتضمن خوارزميتك قواعد صارمة لإدارة رأس المال، ومن أهمها:

  • إدارة الهامش (Margin): توظيف “الرافعة المالية” برمجيًا بحذر شديد.
  • التحكم في حجم الصفقات: ربط حجم الصفقة بمستوى تقلب السوق (Volatility) لضمان حماية محفظتك من الانهيار المفاجئ نتيجة خطأ برمجي أو حركة سوقية عنيفة.

المخاطر والتحديات في التداول الكمي

رغم الجاذبية الكبيرة للتداول الكمي، إلا أنه ينطوي على مخاطر فريدة ومعقدة قد تكون كارثية إذا لم يتم التعامل معها بحذر:

الإفراط في التجهيز

تعتبر المشكلة الأكثر شيوعًا وخطورة وتحدث عندما يقوم المتداول بتصميم نموذج رياضي يتطابق تمامًا مع البيانات التاريخية، بحيث يبدو وكأنه استراتيجية لا تخسر أبدًا، ولكن في الواقع، هذا النموذج قد حفظ “ضجيج” السوق الماضي بدلًا من تعلم الأنماط الحقيقية، وبالتالي يفشل فشلًا ذريعًا عند تطبيقه على بيانات حية جديدة ومستقبلية.

الاعتماد الكلي على التكنولوجيا

هذا الاعتماد يعني أن أي انقطاع في الاتصال، أو خطأ برمجي بسيط (Bug)، أو تأخر في وصول البيانات (Latency)، قد يؤدي إلى تنفيذ صفقات خاطئة أو عدم تنفيذ أوامر وقف الخسارة، مما يكبد المحفظة خسائر فادحة في ثوانٍ معدودة.

كن جزءً من عالم العملات الرقمية وانضم إلى قناتنا على تيليجرام لمعرفة أحدث الأخبار! 

الأسئلة الشائعة

هل التداول الكمي مناسب للمبتدئين؟

بشكل عام، التداول الكمي يتطلب منحنى تعليميًا حادًا ولا يُنصح به للمبتدئين تمامًا في عالم المال أو البرمجة، لكي تنجح، تحتاج إلى فهم عميق لثلاثة مجالات: استراتيجيات التداول، التحليل الإحصائي، والبرمجة، ومع ذلك، يمكن للمبتدئين الطموحين البدء بتعلم الأساسيات واستخدام منصات توفر أدوات جاهزة للاختبار الخلفي وبناء استراتيجيات بسيطة قبل التعمق في بناء أنظمة معقدة.

ما الفرق بين التداول الكمي والتقليدي؟

الفرق يكمن في عملية اتخاذ القرار، التداول التقليدي (Discretionary Trading) يعتمد على الحكم البشري، والتحليل اليدوي للرسوم البيانية، وتفسير الأخبار، وغالبًا ما يتأثر بالعواطف والحدس، أما التداول الكمي، فيعتمد حصريًا على البيانات والأرقام والقواعد المبرمجة مسبقًا، في التداول الكمي، النظام هو من يتخذ القرار وينفذه بناءً على معادلات رياضية، بينما في التقليدي، الإنسان هو المحرك والمقرر النهائي.

هل يمكن للتداول الكمي أن يقلل المخاطر؟

في حال الالتزام الصارم بالمنهجية، يمكن للتداول الكمي تقليل المخاطر بشكل كبير، ولكن بشرط برمجته بشكل صحيح، يتم ذلك من خلال التطبيق الصارم لقواعد إدارة المخاطر (مثل تحديد حجم الصفقة آليًا ووقف الخسارة) دون تردد أو تأثير عاطفي، كما أن القدرة على اختبار الاستراتيجيات على بيانات تاريخية (Backtesting) تساعد في اكتشاف عيوب الاستراتيجية والمخاطر المحتملة (مثل أقصى تراجع للمحفظة) قبل المخاطرة بأموال حقيقية، مما يوفر طبقة حماية إضافية لا تتوفر في التداول العشوائي.

Scroll to Top
كريبتو فوري